هولندا : نظر عن قرب
أول ما شد انتباهي هو لغتهم ، إذا كنت تظن أنك لا تجيد نطق الخاء ، فيجب عليك التفكير مليا قبل أن تقرر أن تتعلم الهولندية ، فكما اللغة العربية هي لغة الضاد ؛ الهولندية هي لغة الخاء ، إنها لغة مهوسة بحرف الخاء ، في أول الأمر حسبت أن حرف الخاء هو جزء أساسي من كل كلمة ، ولكن بعد التدقيق وجدت أنه جزء أساسي من كل تعبير على الأقل.
تقتبس الهولندية الكثير من الكلمات من اللغة الإنجليزية ، و لكن مع بعض التأخيخ ، فمثلا ينطقون good خوود ، وهكذا ،و الأمر الثاني الذي لفت انتباهي في هذه اللغة هو حبها للأسماء الطويلة ، فكثير من الأماكن لها أسماء طويلة بما يكفي لجعلك تتشاءم منها.
عندما سافرت إلى إيران تعلمت بعض التعابير و الأعداد الأساسية باللغة الفارسية ، ولكن لم يحدث ذلك في هولندا ، بسبب أن اللغة الإنجليزية منتشرة بما يكفي لتقضي أمورك بها ، فأغلب الذين قابلتهم يتكلمون أو يفهمون الإنجليزية ، بصراحة لم أكلف نفسي عناء البحث ماذا يدرسون في المدارس و الجامعات كلغة ثانية ، ولكن يكفي أن أستمع إلى إذاعاتهم و قنواتهم التلفزيونية لأدرك أن اللغة الإنجليزية أو بالأحرى الثقافة الأمريكية منتشرة بشكل واسع ، إذا كنت تعتقد أن الثقافة الأمريكية المتمثلة في الأفلام السينمائية و الأغاني و البرامج الثقافية و التعليمية و الترفيهية موجهة إلى العرب فحسب فأنت مخطئ ، فهذا الطوفان موجه لكل ما هو أمريكي في المقام الأول و غير أمريكي في المقام الثاني.
منذ تعلمت أن WC هي دورة المياه ، اعتقدت أن الماء جزء أساسي من دورة المياه ، حسنا في هذه البلاد و كل البلدان أوربية يجب أن تسمى PC أي دورة الورق ، لأنه لا معنى لوجود اسم الماء في مكان لا يوجد فيه ماء ، عدم وجود الماء في دورة المياه جعلني أحس أني لا أنتمى لهذا المكان بتاتا ، فقضاء الحاجة أمر أساسي لكل كائن حي ، فإذا لم ترتح في قضاء الحاجة فلا أظن ستكون مرتاحا نفسيا ، فكلما أردت أن تقضي حاجتك يجب عليك أن تأخذ الماء معك ، اللهم إن كنت لا تكترث إن اتسخت ملابسك بالقاذورات ، ولكن كيف يمكنك أن تصلي بملابس نجسة ؟؟إن وجود الماء في دورات المياه أمر أساسي لكل مسلم.
إن التأمل في بلاد جميع أهلها لا يستعملون الماء في الاستنجاء ، يضمن لك أنك ستعيش عدة أيام حالة اشمئزاز ، و بعدها ستدرك أن هذه هي طريقة حياتهم أحببت ذلك أم لا ، ثم بعد عدة أسابيع ستنسى ذلك .
المرأة و الجنس كلمتان حساستان في عالمنا العربي ، لكن هنا ستشعر بالحنين إلى تلك الحساسية و الحميمية و الدفئ و الإبتسامات و الضحكات الخافتة التي تصاحب تلك الكلمتين ، هنا المرأة و الجنس لا تحملان أكثر من الدلالة الفيزيائية التي تشيران إليهما .
المرأة هنا أمر لا معنى له بالمقارنة مع عالمنا العربي ، لذا تجد النساء هنا في صراع مستمر للفت الإنتباه ، فكم من مرة كنا أنا و زميلي نرتجف من شدة البرد في الطريق العودة نجد مرأة لابسة تنورة قصير تكشف عن فخذها أكثر ما تستر ، في محاولة يآسة في ذاك البرد القارص لشد الإنتباه ، عندما أرى ذلك أقول في نفسي اللهم لك الحمد أنك كفيت نسائنا عناء تلك الشدة.
في الشارع ، في القطارات ، في الأسواق ، في أماكن العمل ، أجد نسائهم (على الجمال الذي يمتلكنه) في صراع دائم لجذب الانتباه ، صراع ينهك النفس و المال ، لو فكرن فيه لحظة لوجدن أنفسهن خارج المحيط الذي يعيشن فيه ، فهذا الصراع هو أمر أساسي في الثقافة الغربية بشكل عام ، و تقوم عليه الكثير من صناعات ، فالأزياء و المكياج و مستحضرات التخسيس و التجميل أمر لابد منه في هذه البلدان.
قد تكون كلمة المرأة أقل إثارة من الجنس في عالمنا العربي ، فمجرد ذكر كلمة الجنس نجد الإبتسامات الماكرة تعلوا الكثير من الوجوه في عالمنا العربي ، ولكن عندما هنا في هولندا وجدت أن كلمة الجنس استهلكت بما يكفي لتجريدها من كل الأحاسيس والعاطفة و الحميمية التي تحيط بها في عالمنا العربي ، وجعلها تدل على الدلالة الفيزيائية فقط.
عندما أتجول في مدنهم أرى الكثير من الإعلانات الورقية تستخدم الجنس بشكل مكشوف لجذب الإنتباه ، وفي قنواتهم و أفلامهم يتكرر الأمر بشكل يثير الشك حول ماذا يعني لهم الجنس ، و لكن ذاك الشك بدأ يزول عندما تعرفت على شوارعهم الحمراء ، هناك ترى النساء معروضة على طول المباني بشكل لن تتخيله ! على كل نافذة تجد عاهرة بملابس تستر ما لا يحسن كشفه ، تحاول بكل ما تملك لجذب زبائنها ، على مرئها و مسمع العالم .
وفي محلات بيع الأفلام تجد أفلام الجنس معروضة حالها كحال أي فلم أخر ، و رأيت الشباب و كبار السن يشترونها بدون أدنى خجل ، و كأنهم يشترون تفاح ، هناك أيقنت أن الجنس لا يحمل الكثير من المعاني معهم ، و مرة أخرى اللهم لك الحمد أني تربيت في ثقافة تقدر الجنس و تجعله أمر مقدس محمل بالكثير من المعاني الراقية و النبيلة.
كنت أسمع أن الغرب يحبون القراءة ، حسنا هم يقرأون أكثر منا ، ولكن ماذا يقرؤون ؟ كشخص عاش فترة من حياته منغمسا في القراءة بشكل عميق ، لا أعتقد أن الأمر صعب علي لأتعرف على ماذا يقرؤون ، إنها قصص و كتب ترفيهية لا أكثر و لا أقل ، أمر لا يصعب تحقيقه في عالمنا العربي من وجهة نظري ، ولكن لن نستفيد منه بشيء إذا أردنا أن نتقدم تقنيا.
اكتشفت في هذه المدة أن سر تقدم الغرب علينا هو أنهم ينفقون الكثير من الأموال في مجال التعليم و البحث العلمي ، بينما نحن لا ننفق شيء ولا نكلف أنفسنا عنا التفكير في هذا الأمر ، وفي أحسن الأحوال نحاول أن نستكمل بنيتنا التحتية و نحل مشاكلنا مع جيراننا.
لن أعلق الكثير على المباني و النظام المواصلات فهي أمور شكلية متكررة في أغلب المدن الأوربية ، فعندما تنتقل من دولة إلى أخرى فلن تشعر بالفرق اللهم إلا في اللغة ، حيث زرت ألمانيا و هولندا و بلجيكا ، ونص يوم في بريطانيا.
الذي شد انتباهي في بيوتهم أنها صغيرة مكتنزة ، ولا تحوي جدار خارجي يوفر الخصوصية لسكان البيت ، ولن أعيش فيها إذا أعطيت الخيار ، فأنا تربيت على البيت الواسع والغرف الكبيرة ، و الكثير من الخصوصية للبيت.



